مراجعة الافلام

فيلم «رجل كو كلوكس كلان الأسود» يكشف عنصرية أمريكا

«أنا أكره الزنوج، وأكره اليهود، وأكره المكسيكيين والأيرلنديين، وأكره الصينيين واللاتينيين، هذا الكلام خارج من فمي حتى يصل للإله، أنا حقاً أكره هؤلاء الزنوج الواشين، وأكره أي أحد لا تجري في عروقه الدماء النقية للعرق الآري الأبيض». (من الفيلم)
وتأتي منظمة «كو كلوكس كلان» والمُشار لها اختصاراً بـ»KKK» لتجسد الطبيعة الأمريكية. هذا ما تناوله سبايك لي في فيلمه «رجل كو كلوكس كلان الأسود» (blackkklansman) مُستحضراً واقعة حقيقية حدثت في أواخر السبعينيات من القرن الفائت، لكنها تزامنت مع ما تقوم به المنظمة نفسها الآن! الفيلم أداء جون ديفيد واشنطن، آدم درايفر، توفر غريس، ولورا هارير. وهو مأخوذ عن كتاب بعنوان «عضو كلان الأسود» الذي أصدره البطل الحقيقي للحكاية رون ستالورث عام 2014. حصل الفيلم على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس، والجائزة الكبرى في مهرجان كان.

«مولد أمة»

هو اسم فيلم غريفيث الشهير، والذي يعد من علامات السينما في العالم، إلا أنه يكشف عن وجهة الأمريكيين الحقيقية، وإرثها الفكري والثقافي، فقد كان أحد أهم فقرات التعميد أثناء طقوس الانضمام إلى جماعة «كلان» التي أصبحت منظمة في ما بعد، حتى أن الأعضاء كانوا يهللون ويصفقون عندما يأتي مشهد بالفيلم وقد ظهر بعض رجال كلان وهم يمثلون بجثة رجل أسود، هذه الجماعة التي بعد حظرها زمناً، استغلت الفيلم كدعاية لها، وتم إعلان تأسيسها مرّة أخرى تحت مُسمى «الجمعية الأخوية لذوي العقل والشخصية» في تشرين الأول/أكتوبر 1915.

إقرأ أيضا:فيلم الرعب الجديد “الشعوذة: الشيطان أجبرني على فعلها” هل ستصدقونه بعد المشاهدة؟

لقطات من تاريخ دموي

أقنعة اسطوانية بيضاء ومدببة تغطي وجوه أصحابها، وملابس بيضاء، وصليب معقوف يحترق، وعلم ولايات الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والذي يرمز إلى الولايات التسع التي رفضت إلغاء العبودية، استخدمته المنظمة في الثلاثينيات، وأعيد استخدامه في السبعينيات، وحتى تظاهراتها الآن، بجانب شعار النازي. بهذا الشكل ظهرت الجماعة لأول مرة سنة 1866 عندما أسسها بعض المحاربين القدامى في الجيش الكونفدرالي، وكانت تهدف إلى مقاومة إعادة تحرير العبيد بعد الحرب الأهلية الأمريكية. واستمدت اسمها من اليونانية القديمة ويعني «الدائرة العائلية المقربة». فهي أشبه بنادٍ خاص، كان حكراً على ذوي البشرة البيضاء ممن يؤمنون بتفوق العرق الأبيض، ويمارسون العنف العنصري ضد السود والناطقين بالإسبانية واليهود والكاثوليك، حتى قام الرئيس الأمريكي أوليسيس غرانت، بالقضاء عليها عام 1871. ثم جاء التأسيس الثاني لها من خلال العقيد ويليام جوزيف سيمون عام 1915 وكانت هذه المرّة أكثر تنظيماً، وأصبحت تمتلك فروعاً في كل الولايات الأمريكية، وبدأت في تنفيذ معتقداتها، كحارسة على القيم، فكان أعضاء الجماعة يجلدون الجناة، ويطاردون المجرمين، ويحصّلون الديون، حتى أن ضباط الشرطة كانوا يسلمونهم المجرمين في بعض الأحيان لينفذوا فيهم العقوبة، حتى الإعدام كانوا ينفذونه من دون محاكمات. وبلغ بهم الأمر إعلان المسيح كأول عضو مؤسس للجماعة. قامت أوساط رجال الأعمال بتمويل كلان مكافأة لها على الصراع مع النقابات، والدعوة إلى العنصرية وممارستها، والتي شقت صفوف الحركة العمالية. وفي عام 1923 قام حوالي 1000 من رجال كلان على قمع تمرد عمال سكك الحديد. أطلقت كلان على جميع المهاجرين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية لقب «عملاء لينين» حتى أنهم اتهموا الزنوج بأنهم بلشفيون متخفون. يشار إلى تورط كو كلوكس كلان في مقتل مارتن لوثر كينغ عام 1972. في عام 2014 ألقيّ القبض على فرايزر جونيور مؤسس فصيل كلان، لقتله ثلاثةَ أشخاص في مراكز الجالية اليهودية في كانساس. وفي عام 2015 أطلق ديلان روف النار على تسعة أمريكيين من أصل أفريقي، وقتلهم في كنيسة يرتادها السود في تشارلستون بولاية ساوث كارولينا. وفي مسيرة ضد العنصرية إثر وفاة المواطن الأسود جورج فلويد، قام هاري روجرز زعيم التنظيم في ولاية فرجينيا بدهس مجموعة من المتظاهرين بسيارته. كان ذلك في حزيران/يونيو 2020.

إقرأ أيضا:من كريستين ستيوارت إلى كاثرين أوكسنبرغ: 11 ممثلة لعبت دور الأميرة ديانا

رجل كلان الأسود

يوثق سبايك لي من خلال فيلمه لمنظمة كلان وتجذّر فكرها في المجتمع الأمريكي، ذلك من خلال شخصية حقيقية رون ستالورث، أو رجل أسود ينتمي لمنظمة تحارب السود! لا يفوت الفيلم التذكير بلقطات من فيلم «مولد أمة» عام 1915 وكذلك الانتهاء بلقطات حقيقية توثق الأحداث العنيفة التي حدثت في اب/أغسطس 2016 في ولاية فيرجينيا، والتي كانت بين متظاهرين من القوميين البيض المرتبطين بطائفة الـ «KKK» كما يظهر دونالد ترامب في خطاب يقول فيه مدافعاً عن المتطرفين: «ليس كل هؤلاء الناس عنصريين .. كان هناك ناس لطفاء جداً». مع ملاحظة تدارك ترامب الأمر بعد ذلك، من إدانته للمنظمة ورفضه دعمها في انتخاباته الأخيرة.
يتسلم رون ستالورث عمله في أرشيف شرطة مدينة كولورادو ويقابل بعنصرية من بعض زملائه، فيطلب نقله، ثم يكلف بمراقبة مؤتمر للسود ينظمه نادي الطلاب من أصل أفريقي بإحدى الجامعات، لرفع تقرير حول إمكانية اندفاع الطلاب للعنف، هنا يحضر خطاباً لعضو سابق بحركة الفهود السود ستوكلي كارمايكل ــ أحد نشطاء حركة الحقوق المدنية ــ فيتعرّف على باتريس داماس رئيسة حركة اتحاد طلبة كولورادو، والتي لا ترى سوى استخدام العنف، لمواجهة العنصرية ضد السود، لكن رون يرى أنه لابد من التغيير داخل مجتمع البيض. هذه النقاشات بدورها تكشف مدى الانقسام داخل هذه التنظيمات، وتكشف كيف يعيش رجل الشرطة الأسود، فهو منقسم بدوره، ولا يجد نفسه كاملاً، حتى بعد مكاشفته لصديقته داماس في ما بعد بماهية عمله، فهي تستغرب كيف يناضل معها وهو بالأساس أحد أدوات السلطة القمعية، هذا بدوره لا يمكنه أن تقوم بينهما علاقة صحيحة.

إقرأ أيضا:من كريستين ستيوارت إلى كاثرين أوكسنبرغ: 11 ممثلة لعبت دور الأميرة ديانا

أمة عظيمة مجدداً

يشاهد رون إعلاناً في جريدة لمنظمة كو كلوكس كلان، فتبرز في عقله فكرة اختراق المنظمة وعمل تحقيقات حولها، لكشف جرائمها، فيقرر أن يتصل بها، ويقدم نفسه باسمه الحقيقي، مدعياً بأنه أمريكي أبيض مؤمن بمبادئ الجماعة، وقد قام أحد السود بالتحرش بأخته، ويريد الانضمام إلى الجماعة للانتقام من هؤلاء. وتستمر المحادثات الهاتفية، حتى يثق به مسؤول المنظمة معجباً بأفكاره. لتبدو المشكلة في كيفية حضوره اجتماعات المنظمة، فيطلب من زميله ــ اليهودي ــ أن يحل محله في المقابلات الشخصية، بينما يستمر هو في دوره على الهاتف. ويستمر كل منهما في المهاتفات وحضور الاجتماعات، حتى حصولهما على بطاقة عضوية في المنظمة باسم «رون» الذي يفكر رئيسها ديفيد ديوك في جعل رون رئيساً لها في ولايته. ديوك الذي يردد طوال الفيلم مقولات اليمين الأمريكي «لنجعل أمريكا أمة عظيمة مجدداً» وهي المقولات نفسها التي رددها ترامب، والذي احتفى ديوك نفسه بشدة، عند وصول ترامب للسلطة.
وينتهي الفيلم برفض استكمال التحقيقات، وبأوامر من سلطات عليا يُطلب من قسم الشرطة إتلاف تحقيق رون ستالورث، والسكوت عن جرائم الجماعة. بينما يأتي المشهد الأخير لرون وباتريس في منزل منعزل يستشعرون الخطر، وبالفعل يأتي رجال كو كلوكس كلان ويشعلون الصلبان أمام المنزل، انتظاراً لصيد جديد، وهو ما يحدث الآن بشكل أو بآخر، فالأمر لم ينته، ولم تكن حكاية الفيلم قصة من الماضي، بل حاضراً يتكرر في أية لحظة.

السابق
بعد أعوام من الترميم.. أقدم سينما في موسكو تعيد فتح أبوابها
التالي
توم هانكس يعود بفيلم خيال علمي في موسم الجوائز القادم

اترك تعليقاً